السبت، ٣١ يناير ٢٠٠٩

عفوًا.. المقاومة لا تدمر الفلسطينيين



الإيحاء بأن المقاومة هي التي تدمر الشعب الفلسطيني تبرير للعدوان الإسرائيلي الحالي خاصة عندما يأتي علي لسان رئيس منتخب مثل عباس0قد يكون مفيدًا تذكير الرئيس عباس بأنه لولا هذه المقاومة لما وُجد أساسًا في مقره في رام لله وهل أخطأ الجزائريون عندما قدموا مليونًا ونصف المليون من الشهداء في ثورتهم॥ وهل كان علي بورقبية ومانديلا والعظمة وعمر المختار أن يرفعوا رايات الاستسلام للاحتلال0تشكيك عباس في جدوي المقاومة في وقت يتعرض فيه أهلنا في غزة لـ«هولوكوست» أمرغير مسبوق و لا يمكن قبوله أو السماح بهذا و نتمني لو أن عباس التزم الصمت في هذا الوقت بالذات॥ ولكن تمنياتنا هذه لم تكن في مكانها أبدًالم يكن السيد محمود عباس - رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله - موفقًا عندما استخدم بعض العبارات الاستفزازية في مؤتمره الصحفي الذي عقده في القاهرة، في ختام اجتماعاته مع الرئيس المصري حسني مبارك، خاصة عندما قال: «إن المقاومة التي تدمر شعبها لا نريدها»، في إشارة إلي الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» علي وجه الخصوص।وهذه ليست المرة الأولي التي يستخدم فيها السيد عباس مثل هذه الأقوال، فقد وصف العمليات الاستشهادية بـ «الحقيرة» وأدانها بأقوي الكلمات। وقال إن الصواريخ التي تنطلق من قطاع غزة «عبثية»، ولم يتردد في السخرية من السفن الأوروبية والنشطاء الغربيين والعرب الذين يستقلونها، لكسر الحصار الإسرائيلي علي القطاع بقوله إنها «لعب عيال».السيد عباس يطلق هذه الأقوال المسيئة لمفهوم المقاومة السامية، في وقت تحتفل فيه حركة «فتح» بالذكري الرابعة والأربعين اإطلاق رصاصتها الاولي ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتتصدي فيه نظيراتها في قطاع غزة، ومن بينها كتائب شهداء الأقصي التابعة لحركة «فتح» لهجوم وحشي إسرائيلي يتعمد قتل الاطفال والنساء دون أي شفقة أو رحمة.المقاومة الفلسطينية ليست هي التي تدمر الشعب الفلسطيني، وإنما الإرهاب الدموي الإسرائيلي الذي نري ضحاياه بالآلاف، شهداء وجرحي، في مختلف أنحاء قطاع غزة، مثلما رأيناهم في جنين والخليل وبيروت وجنوبها ومخيماتها.فالإيحاء بأن المقاومة هي التي تدمر الشعب الفلسطيني بصواريخها وعملياتها الاستشهادية، هو تبرير للعدوان الإسرائيلي الحالي، سارع الكثير من المسئولين والإعلاميين الإسرائيليين والغربيين لاختطافه بتلهف، والتركيز عليه، لإدانة المقاومة، وتحميلها مسئولية كل القتلي والجرحي، خاصة أن هذا الإيحاء، جاء علي لسان شخص من المفترض أنه رئيس للشعب الفلسطيني، ومنتخب من أجل الدفاع عنه، والانحياز إلي جانبه في السراء والضراء.وربما يكون مفيدا تذكير الرئيس عباس، بأنه لولا هذه المقاومة لما وجد أساسًا في مقره في رام الله، ولظل حتي هذه اللحظة في المنافي العربية المجاورة لفلسطين المحتلة. فالمقاومة هي التي أحيت الهوية الفلسطينية، وفرضت اعتراف إسرائيل والعالم بأسره بها.لا نعرف ماذا سيقول السيد عباس لآلاف الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في معارك الشرف والمواجهة مع الإسرائيليين علي امتداد المائة عام الماضية، وشهداء حركة «فتح» منهم علي وجه الخصوص، أو كيف سيواجه أحد عشر ألف أسير في سجون الاحتلال وأسرهم، قضوا اجمل سنوات عمرهم خلف القضبان، لانهم لبوا نداء الشرف والكرامة، وانخرطوا في صفوف المقاومة، وحركة «فتح» بالذات من أجل استعادة حقوقهم الوطنية المشروعة؟ فهل أخطأ هؤلاء، وهل أخطأ الشهداء أيضًا.. وأخيرًا هل أخطأ الجزائريون عندما قدموا مليونا ونصف المليون شهيد في ثورتهم ضد الاحتلال، وهل كان علي شارل ديجول أن ينخرط في حكومة «فيتشي» التي أسسها الاحتلال النازي، وهل كان علي الحبيب بورقيبة، ومحمد الخامس، ونيلسون مانديلا، ويوسف العظمة، وعمر المختار أن يلقوا البنادق، ويرفعوا رايات الاستسلام للاحتلال؟أن يتهم السيد عباس حركة «حماس» بالخروج عن «الشرعية» والانقلاب عليها في قطاع غزة، فهذا أمر مفهوم، وإن كان موضع جدل، لكن أن يشكك، بسبب ذلك، في جدوي المقاومة، في وقت يتعرض فيه أهلنا في قطاع غزة لـ«هولوكوست» غير مسبوق، فهذا أمر مستهجن لا يمكن قبوله، أو حتي السماح به.فالمفاوضات «العبثية»، التي هي في نظر السيد عباس بديل عن المقاومة، وإطلاق الصواريخ لم تحقق للشعب الفلسطيني حتي الآن غير مضاعفة الاستيطان في الضفة الغربية، وتهويد مدينة القدس، والجدار العنصري، وأكثر من ستمائة وثلاثين حاجزًا أمنيًا حولت حياة ثلاثة ملايين إنسان في الضفة الغربية إلي جحيم لا يطاق.الرئيس عباس انتخب من قبل الفلسطينيين بناء علي برنامج سياسي وعدهم فيه بإقامة دولة مستقلة قابلة للحياة علي أساس خريطة الطريق ومؤتمر أنابوليس، ووعد أمريكي من قبل الرئيس بوش بتطبيق حل الدولتين قبل انتهاء ولايته بنهاية العام الماضي.فترة الرئيس عباس الرئاسية انتهت قبل ثلاثة أيام، وسيغادر حليفه الرئيس بوش البيت الابيض بعد ثمانية أيام، ومعه السيدة كوندوليزا رايس، والمنطق هنا يقول إن يعقد الرئيس عباس مؤتمرًا صحفيًا في مقره في رام الله، ويعلن فيه «تقاعده»، ويدعو شخصا من السلطة نفسها للقيام بمهام الرئيس، ريثما يتم ترتيب انتخابات رئاسية جديدة، وانتخاب رئيس جديد وفق اقتراع شعبي نزيه وحر.المقربون من الرئيس عباس قالوا في مجالس خاصة، وتصريحات عامة، بأنه - أي الرئيس عباس - سيلجأ إلي خيارات أخري في حال انتهاء فترة رئاسة الرئيس بوش دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ومن بين هؤلاء المقربين السيد نمر حماد مستشاره السياسي الأول.السؤال الذي نطرحه الآن هو: أين هذه الخيارات، ولماذا لا نراها تطبق علي الأرض؟كنا نتمني لو أن السيد عباس قد التزم الصمت، ولم يطلق أيًا من هذه التصريحات المسيئة للمقاومة، وفي هذا الوقت بالذات، أو أن يقول ما قاله زعماء مثل رجب طيب أردوجان (تركيا) أو هوجو شافيز (فنزويلا) أو حتي ساباتيرو رئيس الوزراء الإسباني الذي حمّل إسرائيل وحدها مسئولية المجازر الحالية في قطاع غزة، دون أي إشارة للمقاومة وصواريخها، ولكن تمنياتنا هذه لم تكن أبدًا في مكانها.السيد «أبوالوليد» الناطق باسم شهداء الأقصي (فتح) في قطاع غزة خرج علي قناة «الجزيرة» ليقول لنا إن أبناء «فتح» يقاومون جنبًا إلي جنب مع أشقائهم في «حماس» والجهاد الإسلامي، والوية الناصر صلاح الدين، والجبهتين الشعبية والديمقراطية، وكتائب الشهداء أبوالريش والقيادة العامة، ويتحدث عن تنسيق كامل، وغرفة عمليات مشتركة، ويبشر بالنصر القريب.هذه هي «فتح» التي نعرفها، والتي احببناها والشعوب العربية والاسلامية جميعا، وحملت النضال الفلسطيني لأكثر من أربعين عامًا، واستحقت القيادة بجدارة بفضل تضحيات شهدائها «فتح» ومنهم الشهيد ياسر عرفات وزميلاه خليل الوزير (أبوجهاد) وصلاح خلف (أبوإياد) والقائمة تطول.

ليست هناك تعليقات: