
والإخوان أيضا ينتقدون برنامجهم
حشمت: مضامين في البرنامج لا تعبر عن رأي القواعد
في حوار مع الدكتور جمال حشمت القيادي الأخواني وعضو مجلس الشعب السابق
د. جمال حشمت
في محاولة منا لاستطلاع آراء بعض الوجوه الإخوانية البارزة، توجهنا للدكتور جمال حشمت، القيادي الإخواني، وعضو مجلس الشعب السابق، والذي أثار عدم نجاحه في الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة 2005 جدلا واسعا، خاصة بعد أن كشفت المستشارة نهى الزيني - إحدى من أشرفوا على تلك الانتخابات - وقائع التزوير الذي تم ضد حشمت لصالح الدكتور مصطفى الفقي، مرشح الحزب الوطني الحاكم.
فجَّر حوارنا مع حشمت عدة مفاجآت، أبرزها اتفاقه مع الانتقادات التي وجهت للبرنامج فيما يتعلق باقتراحه إنشاء مجلس أعلى للفقهاء، وعدم جواز ترشح المرأة وغير المسلم لمنصب الرئاسة، وأن البرنامج لم يعرض عليه في صورته النهائية قبل عرضه على النخبة والمفكرين رغم علاقته المباشرة بهذا الملف، رغم تصريح بعض أعضاء مكتب الإرشاد بأن البرنامج وصل لجميع أبناء الجماعة وقواعدها لإبداء وجهة النظر إزاءه!.
* بداية نريد أن نعرف رأيكم في البرنامج الذي طرحته جماعة الإخوان المسلمين مؤخرا، وتعليقكم على الانتقادات التي وجهت له من قبل بعض المفكرين.
- ملاحظاتي على البرنامج أختصرها في أن البرنامج حمل إيجابيات وسلبيات، وأغلب الانتقادات تدور حول مقترح الإخوان إنشاء مجلس أعلى للفقهاء يكون له حق رد الحكومة، وكذلك رفض الإخوان ترشيح المرأة وغير المسلم لرئاسة الجمهورية.
وأنا أقول: إن إنشاء هذا المجلس يمثل حيطة زائدة عن اللزوم، تفاجأ بها الجميع، ولم تطرح في المناقشات والحوارات الأولية أثناء التفكير في إعلان برنامج للجماعة يمثل وثيقة لها، ولذلك جاءت هذه المضامين صادمة، ولا تعبر بحال من الأحوال عن رأي عموم الإخوان وقواعدها التي حرمت من رؤية البرنامج أو التعليق على ما جاء فيه، وقد أبديت اعتراضي قبل ذلك لدي الجماعة، ولم يأخذ به.
وقد انتقدت البرنامج قبل الإعلان عنه في مقال قمت بنشره، وكان بمثابة أول إعلان رافض لهذه المقترحات التي تضمنها البرنامج، وحمل المقال عنوان "كيف نرى برنامج حزب الإخوان"، وقد تحفظ الإخوان على ماجاء به.
* لماذا لم تلجأ للقنوات "الشرعية" داخل الجماعة للإعلان عن رأيك هذا، بدلاً من الحديث في وسائل الإعلام، والذي يسبب حساسية للإخوان؟.
- أنا بالفعل لجأت للقنوات الشرعية، وعبرت عن آرائي جميعا من خلالها، وقد ضمنتها ضمن المقال الذي أشرت إليه، وكان ذلك قبل إعلان البرنامج، والمقالة كانت استباقية، ونشرت نفس الفكرة داخل الجماعة، ولا أظن أن عرض ذلك في وسائل الإعلام يضايق الجماعة؛ لأن نقد الأفكار والحوار ظاهرة صحية تستفيد منها الجماعة، ولا تتضرر منها.
* وما وجه اعتراضك على إنشاء مجلس أعلى للفقهاء؟
- لأن إنشاء مثل هذا المجلس يعتبر وسيلة لتشويه الدين وليس حفظه، وكان أولى للجماعة أن تفعِّل مجمع البحوث الإسلامية، والذي يضم خيرة علماء مصر، وجعله بعيدا عن تأثير أية سلطة، وبذلك يكون مكسبا، ويحقق الغرض الذي ذهب إليه الإخوان من اقتراحهم المرفوض في البرنامج. كما أنه في حالة الاعتراض على أي من مواد القانون أو الدستور فإن لأي مواطن الحق في الطعن عليها أمام المحكمة الدستورية العليا.
* ألا ترى أهمية لإنشاء مجلس أعلى للفقهاء، خاصة وأنكم عانيتم من خروج قوانين في مجلس الشعب أثناء عضويتكم السابقة له، ربما كانت تتنافى مع الشريعة الإسلامية؟
- أثناء عضويتي لبرلمان عام 2000، لم يقدم مشروع قانون واحد يخالف الشريعة الإسلامية، أو يخالف نص المادة الثانية من الدستور، التي تعتبر بديلاً أفضل من مقترح الجماعة غير المبرر والمرفوض شكلاً وموضوعا، وبالتالي لا يوجد مبرر واحد لإنشاء هذا المجلس على الإطلاق.
* ولماذا لا تعتبر ما جاء بخصوص المجلس الأعلى للفقهاء وعدم جواز ولاية المرأة وغير المسلم اجتهادا فقهيا للإخوان من حقهم الأخذ به؟
- أعتبر أن ما ورد في البرنامج لم يكن به جديد، وبخاصة ما جاء في ولاية غير المسلم والمرأة، وهو لا يناسب الواقع ولا الظروف التي نعيشها، ولا يناسب الدولة المدنية التي تحدث الإخوان عنها في مقدمة برنامجهم.
والأغرب من ذلك أن الإخوان يتعاملون معها كأنها ثابت من الثوابت، لا متغير من المتغيرات، وبالتالي فإن إعادة النظر فيما ذهب إليه البرنامج من الضروريات المهمة حتى يتسنى التحاور حوله.
كما أن هذا الاجتهاد لا يتفق بحال من الأحوال مع مبدأ المواطنة، الذي يجعل الجميع متساوون، ويحق لهم الترشيح والانتخاب لأي منصب كان، في الوقت الذي تحكم فيه أغلبية مسلمة لا ترى ضرورة لترشيح المرأة أو غير المسلم لمنصب رئيس الجمهورية، مستدلاً بتولي أحد الكاثوليك رئاسة الجمهورية في أمريكا لمرة واحدة ، لم تتكرر بعد ذلك؛ لأن غالبية الشعب الأمريكي إنجيلي في معتقده.
ولذلك فالإخوان في برنامجهم يتهمون غالبية الشعب المصري بأنه لا يعرف الصحيح من غير الصحيح، فانتخاب امرأة كالدكتورة نهى الزيني – في رأيي - أولى وأعدل من انتخاب أحمد عز عضو لجنة السياسات بالحزب الوطني، كما أن هناك شخصيات قبطية تتمتع بمصداقية، وتمتاز بالعدالة، وبالتالي إذا ذهبت الأصوات لها فهو خير من أن تذهب لمسلمين كثيرين ظالمين، والمثال واضح في النظام المستبد والجاثم علي صدورنا الآن.
فالدولة العادلة ربما تكون كافرة، والعبرة ليست بالمسوح وملابس الرهبان، فهناك الكثير ممن يرتدي المسوح، وهو أبعد ما يكون عن العدل وقيمه.
* لماذا إذن يتمسك أعضاء مكتب الإرشاد برأي فريق من التيار المحافظ، رافضين آراء بقية الإخوان من الأفراد وأعضاء مجلس شورى الإخوان؟
- تمسك الإخوان ببعض الآراء يرجع لعامل واحد، وهو حالة الاستبداد العامة التي يفرضها النظام ويمارسها على الشعب المصري، وبالتالي تقتل هذه الحالة الوسطية لدى الجماعة، وتخلق حالة عامة من الاستئصال، وموجة من العنف، فأفكار الإخوان قابلة للتأثر بفعل ما يقوم به النظام.
ولا أتخيل أن يمارس النظام استبداده على الجماعة، وتنشأ بعد ذلك حالة صحية يكون فيها تداول الرأي هو الصفة الغالبة، فالإخوان طوال الوقت يترقبون استغلال النظام للأحداث واختلاف الإخوان حول فكرة معينة لتضخيمها، ومن ثم النفخ فيها، وإشعال الحرائق حولها.
* ما رأيك في عرض الإخوان برنامجهم على عدد من المثقفين والمفكرين؟
- إن هذا مما يحمد للإخوان، وهذا إن دل فإنما يدل على تطور فكري لدى الجماعة، واتجاه نحو التغيير، ودليل على عزم الإخوان تغيير ما جاء في هذا البرنامج من أفكار مرفوضة من قبل المثقفين والمفكرين.
* كيف يمكن علاج ما ورد في البرنامج من أفكار رفضتها النخبة المثقفة؟
- العلاج بسيط وسهل، ويتلخص في محاولة التجاوب مع ما طرح من قبل النخب والمثقفين، وعدم التصادم مع أفكارهم، وإيجاد صيغ مقترحة جديدة لتعديل مقترح الإخوان بإنشاء مجلس أعلى للفقهاء، ولو عن طريق تدعيم مؤسسة الأزهر الشريف وتدعيم قراراتها.
* هل نفهم من نقدك للبرنامج أنك لم تشارك في صياغته، ولم تعرض عليك النسخة الأخيرة منه قبل عرضها على المفكرين من خارج الجماعة؟
- أنا شاركت في وضع بعض الرؤى في البداية، عندما عزمت الجماعة على إعداد برنامج يحمل رؤاها، ولكني لم أحضر بقية جلسات الإعداد، ولم أشارك في صياغة البرنامج في شكله النهائي، ولم أشاهد النسخة الأخيرة منه.
* هل تعتقد أنه تم إقصاؤك من المشاركة بسبب أفكارك التي لا ترضي التيار المحافظ داخل الجماعة، والذي يعتبر مسئولاً عن خروج البرنامج بهذا الشكل؟.
- أنا لا أريد أن يتغير صدري وقلبي تجاه الإخوان، ولا أريد تحريك صدورهم ضدي، لذا أرفض الإجابة عن هذا السؤال مكتفيا بقولي: إن هناك فئات أفضل مني شاركت في إعداد البرنامج بهذا الشكل الذي ربما أختلف معه.
* كيف ترى مستقبل هذا البرنامج؟ وهل تعتقد أن الإخوان سيأخذون بما وجه إليه من انتقادات؟
- ما ورد في البرنامج قابل للأخذ والرد، وبالتالي فإن ذلك يؤكد أنه وضع على عجل، ولا أظن إلا أن الإخوان سوف يتراجعون عنه.
أما عن مستقبل البرنامج والحزب، فهذا المستقبل محكوم عليه بالنجاح أو الفشل بقدر استجابة الجماعة للانتقادات التي توجه إليه، وبقدر مرونة الجماعة في قبول هذه الانتقادات، ويتوقف أيضا على شكل ما تدافع به الجماعة عن البرنامج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق